الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة قراءة في المجموعة القصصية: "آخر عيون للنسيان" للكاتبة نجلاء عطية.. بقلم :عبدالرزاق بن علي

نشر في  12 أفريل 2021  (09:22)

 بقلم :عبدالرزاق بن علي

 بدت الغرابة جلية والغموض حاضرا بغزارة من العنونة الخارجية للمؤلف. عنوان يدعوك للسفر والبحث بمفردك عن معانيه ومقاصده دون ان تنتظر من القاصة حلولا على طبق كتلك الأطباق التي تقدم فيها هدايا الملوك. وكأن الكاتبة هاهنا تتخلى عن عرشها وتهبط من علياء إبداعها لتقول للقارئ دعنا نسافر سوية ونغوص في المعنى.

"آخر عيون للنسيان" عنوان ملغز وحمال أوجه ستجد صداه داخل كل اقصوصة من اقاصيص الكتاب ولو تلميحا. لذا كان لزاما أن نحاول البدء بتحديد المفاهيم والوقوف عندها متخذين منهج  "جيل دولوز Gilles Deleuze"  القائم على تحديد المفاهيم ورسم تجلياتها وتموضعها (conceptualisation) قبل الغوص في مقومات البناء والمعنى.

وهنا لا بد من الإشارة إلى حضور "العين " كحاسة للبصر وحضور "النسيان" في علاقة بالذاكرة فيكون بذلك ربما إعلانا لصراعات قائمة بين الصور العالقة التي انعكست على مآقي العيون وارتسمت خالدة لا يطالها النسيان وبين خلل الذاكرة القائمة على الفراغات المتماهية تماما مع طبيعة البشر الغالبة، النسيان طور أو التناسي أطوار. 

الإلغاز يتدرج من الكليّ إلي الجزئي " فآخر عيون للنسيان " هو إما العد التراتبي لعيون من النسيان قد بلغنا آخرها أو هي اعمقها وأكثرها تأثيرا مقارنة بما سبق ...هكذا بدى العنوان.

أما متن الكتاب ففيه ما فيه من نقاط يجب التوقف عندها شكلا ومضمونا.

احتوت المجموعة القصصية على اثنتي عشرة اقصوصة لا رابط بينها سوى الأسلوب القصصي الذي اتبعته الكاتبة، سبقها تقديم قيم للكاتب "نورالدين الحاج" .قصص تفاوتت في طولها حسب الحبكة السردية لكل قصة .

ما إن تنتهي من قراءة التقديم، تبهرك الكاتبة بقصة قصيرة جدا مقارنة بما سيأتي لاحقا وكأنها تقدم لك مقبلات خفيفة قبل دسم الكلام. القصة الأولى بعنوان " ليتني" تميزت بلغة شعرية جميلة ونفس رومنطيقي جلي. فيه تكون الشخصية في سفر تخيلي بين العين والخيال  "... وأنا ارمقك بعيون الخيال الشارد ". افتتحت القصة بحرف العطف  "واو" وهو ما يعني ربما أن القصة هي تتمة لكلام سابق لم تجرأ على قوله الشخصية أو ربما لا تقوله الكلمات.

ثم تداعت القصص لتكون أكثر عمقا وثراء فتعددت عناوينها التي لا تخل من إلغاز .عنونة قامت على الصور والمشهدية من  "دخان الصمت" إلى  "شرفة تفتح عل  البحر" إلى  " انكسار ضوء"...

كما نلاحظ أيضا الحضور غير المألوف للثلاث نقاط المسترسلة في العنوان. إذ لم يكن حضورها في آخر العنوان بل في أوله  "...عودة سندريلا" . فدائما ما يكون هناك كلام منقوص، لا يقال. ....

إن حضور النقاط المسترسلة في هذا المؤلف يعد سمة بارزة، ففي اعتقادي لم يكن ذلك اعتباطا بقدر ما كان يعبر عن اختلاجات نفسية للقاصة. فالصمت هنا إما عجز الكاتب أو عجز اللغة أو هو اعتراف بعجز ثنائي. ليعكس هذا التمرد عنوان إحدى المقصوصات "تمرد" . ثم إن هذا الصمت هو ربما تعبير عن خلل الذاكرة وانفلات بعض الأحداث من ذهن الإنسان كإشارة ضمنية للعنوان الخارجي للمجموعة . وهو ما يعيد إلى السطح مجددا علاقة الإنسان بالزمن وايهما أكثر تأثيرا في الآخر.

أما على مستوى اللغة فقد يختلط عليك الأمر وانت تقرأ المجموعة القصصية، هل أنت إزاء النثر أم انت في حضرة الشعر ؟!

تميزت لغة نجلاء عطية بشاعرية فذة غلبت عليها الصور والاستعارات التي بدت جلية من العناوين المختارة. كما حضر الشعر فعليا في مواضع عدة من الكتاب من خلال تقنية التناص وحضور النص الآخر. كان ذلك مثلا في قصة  "عاشقة الدانتيل " حضور قوي لشعر الكبير محمود درويش  : 

"وانت تفكر بالآخرين البعيدين فكر بنفسك....

       قل: ليتني شمعة في الظلام " .

كما جاء الشعر أحيانا أخرى على لسان الشخصيات كتقنية ذكية اعتمدتها الكاتبة إما للتخفي أو للتنصل من المسؤولية. (قصة : انكسار ضوء ).

ثم لابد من الإشارة إلى مسرحة النص من خلال حضور بعض مقومات النص المسرحي من استطرادات وتأملات وإشارات ركحية ، وهي مقومات يكتسب بها النص البعد الإيحائي والغموض فيترك مجال التأويل والتفسير للقارئ أثر ذلك. وكأن الكاتبة تقدم دعوة للقراء للبحث معها عن الحقيقة التي انفلتت من بين ايديها.

إضافة إلى كل ما قيل نلاحظ اعتماد القاصة على تقنية وظيفة اللغة على منهج  Roman Jackobson    في نظرية    la fonction du langage   باعتمادها  علي  la fonction expressive de la langue      بقولها  " تواحااااااااااااااااشتاك. ....." / مهااااااااا مهااااا جيت "......

وهنا استعملت الكاتبة اللهجة العامية وكأنها تستدعي اللغة الأكثر تعبيرية في مثل هذه المواقف.

أما عن البناء السردي والقصصي  كان في اعتقادي محكما لا يخل من تجديد،  فرغم اللغة  الشعرية والحضور المكثف للوصف إلا أن ذلك يخفي قدرة عجيبة على التحكم في النسق السردي لكل حكاية عادة ما تكسره الكاتبة والسير به في ثنايا متشعبة ليصل بها الأمر كثيرا إلى نهايات غير متوقعة تماما. وهو ما يجعلها على اقتدار كبير في التحكم في القراء مثلما تتحكم في الشخوص. لذا ستجد نفسك مجبرا على إعادة بعض المقاطع أو ربما بعض القصص بأكملها كي يتجلى لك المعنى. 

في النهاية هو كتاب جدير بالقراءة والتوقف لديه وما هذه إلا قراءة وتصور .

إلى كتاب وكاتب آخر نلتقي على همس الحروف.